أحمد بن علي الطبرسي
77
الاحتجاج
قال : فكيف رأيته ؟ قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، معروف بغير تشبيه . وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) قال : إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله : ( قد جائكم بصائر من ربكم ) ليس يعني بصر العيون ، ( فمن أبصر فلنفسه ) وليس يعني من أبصر نفسه ( ومن عمي فعليها ) ليس يعني عمي العيون ، إنما عنى : إحاطة الوهم - كما يقال : فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب - الله أعظم من أن يرى بالعين . ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل كثيرة أنه قال : كيف يعبد الله الخلق ولم يروه ؟ قال : رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب ، وأحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته . قال : أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين ؟ قال : ليس للمحال جواب . قال : فمن أين أثبت أنبياء ورسلا ؟ قال عليه السلام : أنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن له معبرون هم أنبياء الله وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيدين من عند الحكيم